السيد كمال الحيدري
193
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
لهذه النزعة في الفصل على نحو قطعىّ بين عقلية آريّة سببية خلّاقة ( ! ) وأخرى سامية غيبية قدرية مستسلمة ( ! ) بدايات تعود بها إلى بواكير التعرّف على أوروبا ، فقد انثالت بذورها في الأجواء الفكرية العربية والإسلامية في ظلّ ما أطلق عليها بصدمة الوعي الأوربى أو صدمة الحداثة بحسب بعضهم الآخر « 1 » . وهذه وإن انطلقت في إطار بدايات متواضعة على المستوى التنظيرى وحذرة على المستوى الآيديولوجى ، لكنّها ما لبثت أن نمت وعزّزت مقولاتها حاضراً بعد ازدهار آلية البحث العلمي وتنامى المقدرة على التنظير الفكري بفعل ما وفّرته العدّة المنهجية المستمدّة من البنيوية والتفكيكيّة وتحليل بُنى الخطاب والألسنية المعاصرة وما إلى ذلك من أدوات وأجهزة منهجية . فمع إسماعيل مظهر مثلًا اكتسبت فكرة التعارض بين عقلية آسيوية وعقلية أوربية لوناً باهتاً سرعان ما ذوى رغم إصرار صاحبها عليها ، وسعيه لعضدها بملاحظات من قبيل أنّ العقل الآرىّ نزّاع إلى الاندماج في الطبيعة اندماجاً تامّاً بخلاف العقل السامي الوثّاب إلى الغيبيّات والراكن إلى قوى ماورائية تحرّكه نحو قدَرِه على نحو أعمى « 2 » ، حيث كانت بوادر التقدّم المتميّز في التجربة اليابانية ( وهى تجربة آسيوية صرفة عقلًا وقالباً ومضموناً ) كافية للإطاحة بها واقعياً وموضوعيّاً ، فضلًا عن التطوّرات اللاحقة التي شهدتها اليابان نفسها ونموّ تجربة نمور شرقي آسيا والصين وإلى حدٍّ ما الهند وحتّى الباكستان ، فهذه جميعاً تجارب آسيوية استطاعت تحقيق الشئ الكثير على مستوى التعامل مع الطبيعة
--> ( 1 ) صدمة الحداثة ؛ عنوان الكتاب الثالث من ثلاثية على أحمد سعيد ( ادونيس ) المشهورة بعنوان : الثابت والمتحوّل . . . بحث في الاتباع والإبداع عند العرب ، ط 4 ، بيروت ، 1983 . ( 2 ) تأريخ الفكر العربي ، إسماعيل مظهر ، ص 198 ؛ عن : من التراث إلى الثورة ، طيب تيزينى ، ج 1 ، ص 376 .